عبد الوهاب الشعراني
51
تنبيه المغترين
وكان وهب بن منبه يقول دخل داود عليه السلام غارا من أغوار بيت المقدس ، فإذا فيه سرير عليه رجل ميت وعند رأسه لوح مكتوب فيه أنا فلان الملك ، ملكت الدنيا ألف عام وتزوجت ألف بكر وبنيت ألف مدينة وهزمت ألف جيش وهذا مصرعي فاعتبروا بي يا أهل الدنيا ، وكان الفضيل بن عياض يقول كما أراد عدو الإنسان أن يضره فيصرفه اللّه عنه ولا يشعر ، ثم يقرأ قوله تعالى : [ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ] « 1 » وكان أنس بن مالك يقول : لا تذهب الأيام والليالي حتى يكون سماع الشعر أحب إلى الناس من سماع القرآن ، وكان يحيى بن معاذ يقول : عجبت من أقوام يعيبون على الصالحين المباح ، ولم يعيبوا على أنفسهم الذنوب القباح ، فترى أحدهم يقع في الغيبة والنميمة والحسد والحقد والغل والكبر والعجب ولا يستغفر من ذلك ثم ينكر على الصالحين لبس أحدهم الثوب المباح أو أكل الحلاوة أو السكر المباح ، وكان أبو حمزة البغدادي يقول لا تنظروا لشكر العامة في العلماء إذا ماتوا ، وكان انظروا إلى شكر الزهاد والعباد لهم . وقال صالح المري يوما من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له ، فقالت امرأة وهل أغلق بابه تعالى قط ، فقال صالح : امرأة عقلت وشيخ جهل ، وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول : لا يسب النبي والصالح إلا أهل مدينته أو جيرانه لأنه ينصحهم فيكرهونه ويسبونه ، وكان يحيى بن معاذ يقول : إذا رأيت العالم في مكان من الأماكن التي تزري به فلا تعجل باللوم عليه فربما كان أحذر منك في حضوره وأقل لوما منك على لومك . ( قلت ) وسيأتي في هذا الكتاب أن من الصالحين من لا يفارق مواضع المعاصي يشفع في أهلها ويحوطهم من أن ينزل عليهم بلاء ، ولا ينبغي المبادرة بالإنكار عليه إلا بعد الفحص عن حاله واللّه أعلم . ( وكان ) يحيى بن معاذ يقول : إذا صادفت النفس مالا فقد صادف الذئب غنما في البرية ، وكان أبو الدرداء يقول : لا تجعلوا عبادته تعالى بلاء عليكم ، فقيل كيف ذلك ؟ قال : يوقف أحدكم على نفسه العمل ثم لا يفي به ، وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول : كل كلام اللّه يرجع معناه إلى أن الآخرة خير من الأولى ولا ينبغي لأحد أن يشك في ذلك ، قال : وكان حاتم الأصم يقول : من أحب الدرهم لذاته فقد أحبه للآخرة . فاعلم ذلك يا أخي ، وقل اللهم لا تجعلنا عبرة لغيرنا وبصرنا بعيوبنا ، والحمد للّه رب العالمين .
--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 11 .